استكشاف مخاوف النجاح: هل يخيفنا تألق منتخب أمريكا في كأس العالم؟

تزايدت الطموحات في الولايات المتحدة بعد الأداء القوي للمنتخب الأمريكي في دور المجموعات، حيث أثارت هذه البداية تساؤلات حول إمكانية فوز الفريق ببطولة كأس العالم. لم يكن هذا السؤال مفاجئاً، فقد نشرت العديد من المواقع الأمريكية مقالات تناقش نفس الفكرة وتستطلع آراء الناس حول إمكانية تحقيق هذا الإنجاز. يرى الأمريكيون أنهم يسيرون في الاتجاه الصحيح في مجال كرة القدم، حيث يمتلكون مجموعة من النجوم المحترفين في الأندية الأوروبية، والذين يشاركون بانتظام في المباريات، كما أن المنتخب يقدم أداءً كروياً يمكن مقارنته بمستويات عالية من الفرق الأوروبية.

لم تعد الطموحات مقتصرة على مجرد المشاركة أو تجاوز الدور الأول، بل بدأ التفكير في تحقيق إنجازات أكبر، حتى أن الاتحاد الأمريكي لكرة القدم يعمل حالياً على تجديد عقد المدرب ماوريسيو بوكيتينو حتى عام 2030، مما يدل على أنهم لا يهدفون فقط إلى المنافسة في مونديال 2026، بل يسعون إلى تطوير مشروع طويل الأمد.

تجدر الإشارة إلى أن المنتخب الأمريكي هو جزء من تطور شامل لكرة القدم في البلاد، حيث أصبح للعبة شعبية متزايدة، إذ يقدر عدد المهتمين بكرة القدم في أمريكا بحوالي 60 مليون شخص، ما يقارب 75% منهم من الشباب. بالإضافة إلى ذلك، أصبح الدوري الأمريكي لكرة القدم رقماً مهماً في المشهد الكروي العالمي، حيث يتجاوز الحضور الجماهيري 11 مليون مشجع في كل موسم، وتصل قيمة النادي إلى حوالي 700 مليون يورو، وهو رقم يتفوق على متوسط دوريات أوروبية كبرى.

ومع ذلك، فإن هذه المقدمة لا تقتصر على المنتخب الأمريكي فقط، بل تهدف إلى تفسير مخاوفي من تقدم كرة القدم في أمريكا. إذ إن المنتخب الوطني في أي بلد لا يمثل اللعبة فقط، بل يتحول أحياناً إلى قضية اجتماعية تتفاعل معها حتى الفئات التي لا تتابع كرة القدم بانتظام. ومع استمرار نجاح المنتخب الأمريكي في كأس العالم، ستجذب اللعبة المزيد من الأمريكيين، مما قد يؤدي إلى تحول جزء منهم إلى جمهور حقيقي ومتابع دائم. وهذا يمثل المشكلة من وجهة نظري.

تمتلك أمريكا اقتصاداً رياضياً وترفيهياً وإعلامياً يصعب مقاومته. إذا خرجت كرة القدم من دائرتها التقليدية المرتبطة بالمهاجرين والجاليات وتحولت إلى لعبة ذات قاعدة جماهيرية أوسع، فإن رجال الأعمال سيجدون فرصة أكبر للاستثمار فيها، مما يعني المزيد من الملاعب والأندية والأموال، وبالتالي دوري أقوى مع مرور الوقت.

إذا تحولت كرة القدم إلى رياضة أمريكية كبرى، فإننا نتحدث عن اقتصاد هائل قد يدخل اللعبة بقوة. ومع توافر الأموال، ستزيد القدرة على جذب النجوم واللاعبين الجيدين، والأكثر خطورة هو موقع أمريكا القريب من مخزون المواهب اللاتينية، مما يمنحها أفضلية كبيرة في جذب لاعبين من الأرجنتين والبرازيل وأوروغواي قبل وصولهم إلى أوروبا، أو على الأقل منافسة الأندية الأوروبية عليهم بشكل مباشر.

هذا، مع مرور الوقت، قد يشكل ضربة واضحة لتفوق الدوريات الأوروبية، ليس فقط من الناحية المالية، بل أيضاً من حيث المتعة وجودة المواهب. كما أن أمريكا ليست دولة تعتمد على المال فقط، بل هي أيضاً دولة علمية في صناعة الرياضة. وإذا قررت أن تدخل كرة القدم بجدية أكبر، فلن تكتفي بشراء النجوم، بل ستتعلم سريعاً كيفية تطوير المواهب وصقلها، ثم ستضيف ما تملكه من علم وتقنيات وتجارب متقدمة في الرياضات الأخرى.

يتقن الأمريكيون صناعة الرياضي المحترف بدنيًا وذهنياً وطبيًا وتسويقياً. وإذا نقلوا هذه المنظومة إلى كرة القدم، فقد نشهد خلال سنوات لاعبين مختلفين تمامًا، كما هو الحال في كرة السلة، حيث يصعب على العالم مجاراة الصف الأول من نجومهم.

المشكلة الحقيقية أن صناعة الرياضة الأمريكية لا تدخل أي لعبة لتكون مجرد طرف فيها، بل تميل بطبيعتها إلى السيطرة والاحتكار بأسلوبها الخاص. تصنع قوانينها، وتبني بطولاتها بشكل مختلف، ثم ترفع مستوى المنافسة رياضياً وتسويقياً، وتدعمها بقوة هائلة في الإعلام والترفيه، ومع مرور الوقت، يصبح من الصعب على الجمهور مقاومة هذا المنتج، وقد تبدو أي منافسة خارج بطولتهم وكأنها أقل من المستوى المطلوب.

أدرك أن مشجع كرة القدم التقليدي قد يعتبر هذا الكلام خيالياً أو مبالغاً فيه، وقد يرى أنني أفرط في توقعاتي، لكنني أعتقد أن هذا هو الكلام ذاته الذي كان يمكن أن يقوله مشجع كرة السلة في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، قبل أن تستكمل أمريكا صناعة دوريها وتحوّله إلى المنتج الأقوى في العالم. اليوم، عندما نتحدث عن كرة السلة الحقيقية على مستوى الأندية، فإننا نتحدث فعلياً عن بطولة واحدة: NBA.

إذا وصل المنتخب الأمريكي إلى نصف نهائي المونديال الحالي، فلن تكون القصة مجرد قصة حصان أسود فاجأ الجميع، بل قد تقترب من كونها قصة حصان طروادة، حيث ستدخل إلى كرة القدم منظومة أقوى من الجميع: أموال ضخمة، أفكار جديدة، تقنيات متقدمة، وصناعة رياضية تعرف كيف تبني منتجاً لا يمكن تجاهله. قد تقاوم أوروبا لسنوات مستندة إلى تاريخها الكبير وإرثها العميق في اللعبة، لكنني لا أعتقد أنها ستصمد إلى الأبد إذا قررت أمريكا فعلاً أن تجعل كرة القدم جزءاً أساسياً من مشروعها الرياضي.

لذلك، إذا رأيتم المنتخب الأمريكي يتقدم في البطولة حتى نصف النهائي، فاستعدوا خلال 10 أو 20 سنة لفكرة مثيرة للقلق: قد نضطر للسهر دائماً لمشاهدة أعلى مستويات اللعبة التي نحبها. فكرة كرة القدم قد لا تبقى مرتبطة بمركزها التقليدي إلى الأبد. وعندما تقرر أمريكا دخول اللعبة بكل قوتها، فقد ينتقل مركز الثقل إلى مكان جديد، والمشكلة بالنسبة لنا أن هذا المكان، هذه المرة، لا يناسبنا أبداً من ناحية التوقيت.

شارك المقال:
المهدي مستوري
المهدي مستوري

كاتب مهتم بكرة القدم وأشارك أخبارها ومعلوماتها بشكل بسيط.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ملف جرافتار الشخصي